فخر الدين الرازي
66
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
قال : ليغفر لك اللّه ويتم نعمته ويهديك وينصرك ، ولا شك أن الاجتماع لم يثبت إلا بالفتح ، فإن النعمة به تمت ، والنصرة بعده قد عمت الثاني : هو أن فتح مكة كان سببا لتطهير بيت اللّه تعالى من رجس الأوثان ، وتطهير بيته صار سببا لتطهير عبده الثالث : هو أن بالفتح يحصل الحج ، ثم بالحج تحصل المغفرة ، ألا ترى إلى دعاء النبي عليه الصلاة والسلام حيث قال في الحج : « اللّهم اجعله حجا مبرورا ، وسعيا مشكورا ، وذنبا مغفورا » الرابع : المراد منه التعريف تقديره إنا فتحنا لك ليعرف أنك مغفور ، معصوم ، فإن الناس كانوا علموا بعد عام الفيل أن مكة لا يأخذها عدو اللّه المسخوط عليه ، وإنما يدخلها ويأخذها حبيب اللّه المغفور له . المسألة الثالثة : لم يكن للنبي صلى اللّه عليه وسلم ذنب ، فماذا يغفر له ؟ قلنا الجواب : عنه قد تقدم مرارا من وجوه أحدها : المراد ذنب المؤمنين ثانيها : المراد ترك الأفضل ثالثها : الصغائر فإنها جائزة على الأنبياء بالسهو والعمد ، وهو يصونهم عن العجب رابعها : المراد العصمة ، وقد بينا وجهه في سورة القتال . المسألة الرابعة : ما معنى قوله وَما تَأَخَّرَ ؟ نقول فيه وجوه أحدها : أنه وعد النبي عليه السلام بأنه لا يذنب بعد النبوة ثانيها : ما تقدم على الفتح ، وما تأخر عن الفتح ثالثها : العموم يقال اضرب من لقيت ومن لا تلقاه ، مع أن من لا يلقى لا يمكن ضربه إشارة إلى العموم رابعها : من قبل النبوة ومن بعدها ، وعلى هذا فما قبل النبوة بالعفو وما بعدها بالعصمة ، وفيه وجوه أخر ساقطة ، منها قول بعضهم : ما تقدم من أمر مارية ، وما تأخر من أمر زينب ، وهو أبعد الوجوه وأسقطها لعدم التئام الكلام ، وقوله تعالى : وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ يحتمل وجوها : أحدها : هو أن التكاليف عند الفتح تمت حيث وجب الحج ، وهو آخر التكاليف ، والتكاليف نعم ثانيها : يتم نعمته عليك بإخلاء الأرض لك عن معانديك ، فإن يوم الفتح لم يبق للنبي عليه الصلاة والسلام عدو ذو اعتبار ، فإن بعضهم كانوا أهلكوا يوم بدر والباقون آمنوا واستأمنوا يوم الفتح ثالثها : ويتم نعمته عليك في الدنيا باستجابة دعائك في طلب الفتح ، وفي الآخرة بقبول شفاعتك في الذنوب ولو كانت في غاية القبح ، وقوله تعالى : وَيَهْدِيَكَ صِراطاً مُسْتَقِيماً يحتمل وجوها أظهرها : يديمك على الصراط المستقيم حتى لا يبقى من يلتفت إلى قوله من المضلين ، أو ممن يقدر على الإكراه على الكفر ، وهذا يوافق قوله تعالى : وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً [ المائدة : 3 ] حيث أهلكت المجادلين فيه ، وحملتهم على الإيمان وثانيها : أن يقال جعل الفتح سببا للهداية إلى / الصراط المستقيم ، لأنه سهل على المؤمنين الجهاد لعلمهم بالفوائد العاجلة بالفتح والآجلة بالوعد ، والجهاد سلوك سبيل اللّه ، ولهذا يقال للغازي في سبيل اللّه مجاهدو ثالثها : ما ذكرنا أن المراد التعريف ، أي ليعرف أنك على صراط مستقيم ، من حيث إن الفتح لا يكون إلا على يد من يكون على صراط اللّه بدليل حكاية الفيل ، وقوله وَيَنْصُرَكَ اللَّهُ نَصْراً عَزِيزاً ظاهر ، لأن بالفتح ظهر النصر واشتهر الأمر ، وفيه مسألتان إحداهما لفظية والأخرى معنوية : أما المسألة اللفظية : فهي أن اللّه وصف النصر بكونه عزيزا ، والعزيز من له النصر والجواب : من وجهين أحدهما : ما قاله الزمخشري أنه يحتمل وجوها ثلاثة الأول : معناه نصر إذ عز ، كقوله فِي عِيشَةٍ راضِيَةٍ * [ الحاقة : 21 ] أي ذات رضى الثاني : وصف النصر بما يوصف به المنصور إسنادا مجازيا يقال له كلام صادق ، كما يقال له متكلم صادق الثالث : المراد نصرا عزيزا صاحبه الوجه الثاني من الجواب أن نقول : إنما يلزمنا ما ذكره الزمخشري من التقديرات إذا قلنا : العزة من الغلبة ، والعزيز الغالب وأما إذا قلنا : العزيز هو النفيس القليل